نَبض

tumblr_n3f1e2bfkI1shw8x4o1_500


لن أكون مفكّرة، أأكّد لكم ذلك، فملكة التّفكير عندي لا ترقى لأن تسبر غور الأمور و تحلّل الخبر، و تستشفّ ما لا يُرى من وراء ما هو ظاهر، فقد حُدَّت بداية بالفطرة، عاطفة ناقصات العقل. و زد على ما جُبِلَت عليه بنات جنسي، قلبا يخفق بثلاث دقّات زائدات : الأولى تنبض لتضخّ للعقل عشقا للجمال أيّا كان، و كيف ما كان..فلا يفرّق أبدا بين عقلاني و لا عقلاني فمن المحال مثلا أن تُطلبَ منّي أسباب تفضيلي للوحة طفل الثّلاث سنوات، التي ثارت فيها الألوان عن كلّ الحدود ليمتزج ورديّ قوس قزح بزرقة البحر و السّماء، عن لوحة الموناليزا. و من غير المنطقيّ أيضا أن يُبحَث عن منطق وراء عشقي لذاك الطّفل الأشعث، الذي سدّ المخاط تجويفي أنفه، و غابت أكثر ملامحه وراء طبقة من الغبار و الأوحال، مقابل نفوري من طفل أشقر،أزرق العينين، زهريّ الوجنتين. ذائقتي الجماليّة تأبى سؤالين اثنين : لماذا؟ و كيف؟

الدّقّة الثّانية تضخّ سيلا من الألم إلى غدّتي الدّمعيّة، و هذه – و على غير عادتها عند بنات حوّاء – حكيمة عندي، تُسَيّسُها حكمة عجوز طيّبة، أبيّة، قد تؤذى لأبسط كَلَم، أو نظرة أو فعل.. لكنّها لا تدرّ دمعا إلّا خلف باب موصد بإحكام. و بصمت مفزع تدمع لما شاء الله لها من الوقت حتّى تطمئنّ أن أخذت بثأرها ممّا استباح حرمة قلبها، فغسلته وترا بدمع حلو، دافئ إلى أن نُقَّى ممّا تحسبه، عن حقّ أو غير حقّ، ألما. فلن يُشفى غليلك لمرآى الدّمع. و إن شُرّفت بمثل هذه الثّقة فلن تفهم له سببا، و إن سمعت رذاذ الدّمع فوق الرّصيف، فلن تدرك إيقاع الوجع فيه. فلا تسأل، و لا تعقلن و إن فعلت فلا تلح

الدّقّة الثّالثة و مالدّقّة الثّالثة…أسمعتم عن ذلك الجانب السّوداوي  في شخصيّة كلّ منّا، ذكرا أو أنثى؟ ذاك النّبض يغيب لسنوات ليحضر لحظة و يضخّ سيلا اختزنه إلى عاطفتي السّوداء، فيتّسع لها الثّقب الأسود في نفسي، ثقب يفيض بكلّ ما فيه حين خطئ منك لا يُغتَفَر، فكما دخلت دائرتي الضّيّقة للأحبّة و المقرّبين و الأعزّة على قلبي، أخلّة الرّوح، فسوف تُرمى في ثقب اللّعنة الشّعوريّة إلى أن تؤول إلى النّسيان..و صيغة المخاطب هذه إلى الإنسان، و الإنسان لا يخرج عن كونه: حوّاء أو آدم، و قانون الدّقّات الثلاث يخصّهما على السّواء

لهذه الدّقّات لا أصلح لأن أكون مفكّرة، أو جهبذ فيزياء و رياضيّات، أو فلتة العصر في التّحليل السياسي …يكفي العطر فخرا أن تكون امرأة، مُحبّة، أديبة تذوق سحر الكلمة في امتزاج الحروف، تتكامل فيها عناصر الفطرة لتكون زوجة و أمّا و طبيبة، بإذن الله..دون كبير موهبة فكريّة تصل بها لأمثال تسلا و أينشتاين

كتبتها عِطر

طيبُ الخَاطر

1655838_672957736101342_398118836_n

لم يحبّب إلى نفسي لزوم غرفتي لفقه في الدّين بأن على المرأة قرارا في البيت مع وجوب الضّرورة للخروج.. فلم أبحث في المسألة كفاية لأجزم فيها. كما لم تُحَبّب إلى قلبي العزلة نفورا من الخلق و هربا من خلطتهم..فقد تحلو لي بعض الجلسات كما تروقني كلمات في ثنائيّات تسعدني كما تفيدني. و لم أملّ للحظة هذه الغرفة بل لو مُدِّدَ في الإجازة دهرا ما خرجت من دارنا أبدا إلّا لضرورة قاهرة. و كلّ الأشياء البسيطة التي أروم إمّا موجودة عندي و إمّا تشرّفني بزيارات خفيفة تجعلني أشتاق لعَوْدِ طيٍّبِ، فتكرارها و حضورها الدّائم له أن يزهّدني فيها، بساطة لها من اللّباقة و الذّوق الشّيئ العظيم، يحكمها سلطان ‘‘زر غبّا تزدد حبّا‘‘ : نسيم الصّيف العليل، عبق الياسمين، مسك اللّيل، هدوء أختي، دعابات أخي: لحظات تندر كندرة اللّازورد في جبال الأفغان، لكن بحضورها تزدان الأيّام.


لا أدّعي أنّني على هذه الحال دائمة القناعة و الرّضا خالية البال من غمّ و قلق بل تعتريني شوائب تكدّر النّفس و تلمّ بلبّي وساوس تلزمها شدّة الجبابرة لقهرها كما البشر أجمعين. لكنّ حال غيري معها ليس كحالي، ففي حين يستغرب قوم غياب رغبة الخروج لفسحة و مرح، أستغرب كيف يجدون المتعة و راحة هذه النّفس خارج قانون النّفس، و خَلُصَ أمري على هذا : لا قانون يحكم راحة النّفس غير القانون الذي ترضاه هي ، و لا رَوْحَ لها إلّا فيما تختار و ترغب. و منذ يسّر الله لي شأن عقلي و وهبني مَلَكَة التّمييز و مكّنني من أسرار عاطفتي وازنت بين ما لنفسي و ما عليها فما حرمتها أبدا ممّا يسعدها و ما مكّنتها يوما ممّا يهينها و يكدّر عيشها : رامت الوحدة و تعسّفا في اختيار خلطائها، فلم أجبرها على كثرة الأصحاب. شاءت بساطة عيش فأهديتها كلّ ما من شأنه أن ييسّر أمر دنياها : قلّة قليلة من الحاجة و قطع لحبال التّعلّق. و رغم مسحة من الكآبة جُبلَت عليها فلازمت طبعها و أضفت على ملامحها جدّيّة تُهَاب إلّا أنّها عاشقة ابتسامة و نكتة فنفضت عنّي كلّ شحّ تجاهها و أَمْطَرتُها أسباب السّرور و المرح : كأن تقرأ شأن الجاحظ في بخلائه و تضحك قهقهة لطريف أخبار النّساء كهند اللّبيبة في قولها:

و ما هند إلّا مهرة عربيّة ** سليلة أفراس تحلّلها بغل
فإن ولدت فَحْلًا لله درّها ** و إن ولدت بغلا فقد أنجبه البغل

ثمّ تبتسم لنكات زمانها على حال البلاد و العباد و هي على يقين بأن هذا من ‘‘ مُضحكاتٍ مبكياتٍ ‘‘ و تشرق لدعابة و لطف كلمات، و تدمع سرورا لسخافة طفل يتحذلق و يتذاكى.
لم أمنعها سرورها و حلو عيش لكن حفظتها ريحا صرصرا قد تعصف بها فما أحسست زيغا إلّا و منعتها مفتاح قفل كان لها و حكّمت العقل في أمرها، فيتكدّر حالها لزمن قد يطول أو يقصر لكن مآلها عود إلي و طاعة لأمري و إذعان لي. حفظتها بما يجب على الأمّ أن تحفظ به ابنتها، تُمَكِّن تارة و تمنع أخرى…فسَهْلٌ هذا في أيّام الفراغ لكنّه عسيرٌ، مرير حين تتراكم المشاغل ويكثر ما للّبّ شاغل، يتشتّت العقل بين كثرة الواجبات فينسى حقّ النّفس و راحتها و ما يفطن إليها إلّا و هي عَيِيَّةٌ مرهقة ترغب في رويّة معها و أناة.

لله درّ الإجازة ما أحلاها

كتبتها عطر 

التّعامل مع الخبر في القَصص القرآني

Media-Manipulation-Optical-Illusion1

(1)

وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين * لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين

 سيّدنا سليمان، عليه السّلام، ركن إلى التّثبّت و الرّويّة مع الهدهد قبل البتّ في أمره و عقابه على تأخّره فبحث في عذره بداية  ‘‘ لأعذّبنّه عذابا شديدا أو لأذبحنّه أو ليأتيني بسلطان مبين‘‘ = أي حجّة قويّة توضّح عذره و تنفي المؤاخذة عنه.

 إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم، قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون 

 ثمّ تعامل مع ما نقله له الهدهد من خبر بلقيس و قومها بذات الحكمة و ذات التّؤدة : ‘‘ قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين‘‘ ، فلم يعجل عليه السّلام و هو صاحب الملك و السّلطان بتكذيب أو بتصديق بل ذهب إلى تجربة الهدهد ليتأكّد منصحّة ما قاله ‘‘ اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ‘‘ أي إلى بلقيس ملكة سبأ.

(2)

 قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا 

 و في العجلة عوتب سيّدنا موسى عليه السّلام بأن لم يصبر على فهم ما أتى به العبد الصّالح خضر عليه السّلام من أفعال و عجل بالحكم على ما قصر علمه في فهمه فكان الفراق بينهما. فقد يتناسى العبد قصور إدراكه على فهم الواقع و يسهو عن ردّ الأمور إلى من هو أعلم ففوق كلّ ذي علم عليم.

(3)

إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلي نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين أمنوا وعلموا الصالحات وقليل ما هم وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب 

 و لمن تثبّت في قصّة سيّدنا داود عليه السّلام مع المتخاصمين حين سمع من أحدهما و لم يسمع من الآخر، يفهم أنّ للقرءان منهجا متينا، دقيقا في التعامل مع الخبر و النّزاعات حفظا لأعراض المؤمنين و أموالهم و دمائهم .. و لهذا فطن سيّدنا داود عليه السّلام بالفتنة التي وقع فيها و أناب إلى ربّه بالتّوب و الإستغفار.
يقول الخليفة عمر بن عبد العزيز، رحمه الله : ‘‘ إذا أتاك الخصم و قد فقئت عينه، فلا تحكم حتّى يأتي خصمه، فلعلّه قد فقئت عيناه جميعا ‘‘

و خلاصة الأمر أنّ مُصابُنا في زماننا هذا جَلل فتعاملنا مع الخبر بعيد كلّ البعد عن المنهج الرّبّاني الذي تكلّم به الله في محكم تنزيله و أوحاه قولا على نبيّه الذي صدّقه خلقا و فعلا…نتلقّف الأخبار فتبربر بها الألسن و تعجل بها. أصبحت الأعراض ميسرة من فيه إلى فيه دونما تحرٍّ و تثبّت، و هو، لعمري، أمر جلل و مصاب عظيم، فما أكّد الله تعالى على أمر كتأكيده، تبارك و علا، على وجوب الرّويّة و التّبيّن حفظا لحرمات المسلمين التي كانت من آخر وصايا الحبيب عليه الصّلاة و السّلام لنا في حجّة الوداع : ‘‘ أيها الناس ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ‘‘. و ما أتى القصص أسلوب موعظة في القرآن إلّا ليتدبّره المسلم و يرسم لنفسه منه طريقا قويما في تعامله مع الأخبار ‘‘ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب‘‘ .
لم نخلق عبثا و لن نُترك بأفعالنا و أقوالنا دونما حساب ‘‘ أيحسب الإنسان أن يُترك سدا ‘‘ ، ‘‘ و لا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا ‘‘ وهذا المعنى كقوله تعالى ‘‘ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ‘‘ ، فأيّ خسران يوم تشهد علينا ألستنا بأن هتكنا أعراض إخواننا و أسأنا الظّنّ بهم و تسرّعنا الحكم و عجلنا بتناقل الخبر، بل و الإشاعة المفسدة في الأرض، المفرّقة بين الأخلّة دون رويّة و بيّنة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمثلة للتّضليل الإعلامي..و الإعلام عموما فيما يخصّ قضايا المسلمين يُتعامل معه بقاعدة : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين

التّضليل الإعلامي 1 : أفغانستان كمثال

التّضليل الإعلامي 2 :  الحقيقة الصادمة: «سيدات العراق» مُقيدات بالسلاسل أمام رجال داعش

كتبتها عطر 

طِب عَيْشًا سيّدي

tumblr_n77dg5PXlH1s1mk6mo9_500


الرابعة صباحا، أرقي المعتاد، لم أغمض جفنا إلى اللّحظة..ليلة غاب عنها النّسيم، كثر فيها نباح الكلاب، غناء الصّراصير، و عراك القطط..لا يمكن أن تكون اللّيلة التي مضت هي ليلة القدر، الله أعلم. أضع غطاء على رأسي و أطلّ من النّافذة، حيّ ميّت إلّا من بعض الحيوانات. لا شيئ يخطر ببالي سوى رغبة في البكاء، أكبتها… هذه المصائب تتنزّل تترا على أمّتنا، تراودني صورة الشّيخ الغزّاوي مع مذيع من قناة إخباريّة، يرتعش فزعا و قد غطّى العرق جبينه، و اشتعل رأسه شيبا، يبدو الذّهول في عينيه، تتصارع الكلمات في فيه : ” مش عارف، كلّه مات، كلّه مات.. ” يلقط جاره الكلمة ليذكّره بخسارته ” ابنك كمان يا حج ” .. يسأله الصّحفي : ابنك استشهد ؟ ” يرتعش الرّجل، أيدري؟ أم لا يدري؟ أم أنّ هول الكارثة أسكتته ” آه، أنا كنت واقف و بعدين شفته عالأرض و كلّه دم..كلّه ” يرتعش، فقط يرتعش، و يزيد شيبه من كارثيّة تلك الصّورة…حسبنا الله. تمرّ امرأة في ذات اللّحظة، يمدّها الصّحفيّ بالمصدح فلا تفعل شيئا سوى أن يعلو صوتها بالدّعاء على الحكَّام العرب..أأمّن على دعواتها و أزيد بقلب مكلوم حرقة، يا رب سلّم، يا رب لطفك! 

***

يمرّ رجل متوسّط القامة، أسمر البشرة، متفحّمها، أظنّه في بداية العقد الثّالث من العمر ” آدمي غيري لم يمت ميتته الصّغرى بعد؟ ما تفعل؟ ” يصارع كيسا كبير الحجم ألقاه على ظهره، تستّر بجنح اللّيل ليقتات من النّفايات، لقمة الهون بشرف، سمعتم عنها هذه؟
اقترب من المهملات، ظلّ يرقب داخلها بحثا عن القارورات البلاستيكيّة، مضت دقيقتان دون أن يلمس شيئا بيده، ثمّ وضع كيسه أرضا و أدخل يمناه ليظفر برزقه، أودعها الكيس، أغلقه ثمّ رماه على ظهره، تقدّم خطوتين ثمّ عاد القهقرى، وضع كيسه و انحنى ليجمع بعض أكياس بلاستيكيّة ثمّ مضى حتّى غاب عن ناظري..مرّت بذاكرتي دعايات الإنتخابات و ما يروّجون له باسم هذا الرّجل و إخوانه و أخواته من الكادحين.. ما شأن رجل يجمع قوت أبنائه شرفا من المهملات بانتخاباتكم و سياستكم و كذبكم؟ ما قدّمتم له من حقوقه حتّى تلزمونه بتحكيمكم عليه؟ هذا رجل لا شأن له بكم، لا يعرفكم، و لا يريد أن يعرفكم، هذا رجل ولد فقيرا، و سيموت كذلك على الأرجح، و علّه يورّث أبناءه فقره، هؤلاء الكادحون ستقفون أنتم و هم ليقتصّوا منكم إعياءهم، عرقهم، شقاءهم و دماءهم، يوم لن يكون لكم من نصير.

***

تمرّ خمس دقائق بتلك الزّوبعة التي تعصف بتلابيب عقلي، ثمّ تهدأ لرؤية الرَّجل عائدا من الطّريق ْذاتها، تذكّرت قرورتَي بلاستيك فوق مكتبي، أردت مناداته أن يقف لأخرج و أعطيه إيّاهما، أردت أن أتحدّث معه، أن أخبره الحقيقة..لكنّني عدلت عن كلّ ذلك، و عوض أن أصارحه علّه يفقه واقعا غاب عنه، لضبابيّة خلقتها المادّة في الرّؤى و الإدراك،أغلقت نافذتي و ردّدت الحقيقة بيني و بين نفسي، لتعود زوبعة فتعصف بشغاف قلبي.

” السّلام عليكم، حيّاك الله و بيّاك..أتدري يا سيّدي…نعم، أنت سيّدي، و سيّد جميع من يهنؤون اللّحظة نوما في فرشهم و تعلو حناجرهم بشخير التّخمة و التّرف! قلت أتدري يا سيّدي أنّني أغبطك، أي و الله أغبطك، بل و أقترح أن نتبادل حيواتنا..أتعلم؟ لا أدري عنك..لكن سكّان هذا المنزل، أو ما قد يبدو في عينيك ” فيلا ” ليسوا سعداء، ليسوا سعداء أبدا، بل و تسكن قلوبهم البغضاء. لا يأكلون من آنيّة واحدة أبدا، و لا يمرّ شهر عليهم إلّا و قد خاضوا عوض المعركة عشر معارك، أتدري ماذا؟ أظنّك مررت كثيرا من هنا فرفعت عيناك لتقول ” كم أغبطهم، دار واسعة، بطابقين، و أنا أسكن غرفة و زوجتي و أبنائي ” .. اعلم يا سيّدي أن هذا كلّه هباء، اختلط بكثير رياء و نار الرّبا، ما أسبقته لك من شعث في قلوبهم هو من هذا..الرّبا، لن يصلح حالهم و لن يطيب لهم عيش، و لن يأنسوا ببعض إلّا بزوال ما بدا لك نعمة!
منزل، منزلان، و أزيدك علما، صاحب كلّ هذا هو مالك لثلاث منازل، إن أطلقت فيها الخيل لركضت رحابة، لكنّه شرّ مستطير، لا رزق كريم. صدّقني، أتريد أن أقسم لك الأيمان؟ و الله ثمّ تالله لن تفرح، و لن يُبَارَك لك في عيشك إن بادلناه و إيّاك، نأخذ كيسك و سعيك في ستر اللّيل و تأخذ هذه المنازل بما فيها، لن تسعد..صدّقني..فارتح يا سيّدي و نم قرير العين، فالله طيّب لا يحبّ إلّا طيّبا، و لا يبارك إلّا في سعي اختلط و القناعة و الرّضا، لا النّهم و الجشع..لن يبارك في القلوب، لن يبارك في المطعم، لن يبارك في المشرب و إن صلّوا و إن قرؤوا القرآن، أما قرؤوا عن الرّبا؟ بلى..بل و ذاقوا ويلاته، لكن عادوا، و بعودهم لما حُرِّم تعود الأكدار… ‘‘وإن عُدتُم عُدنا‘‘ : هذا قانون، هذا أمر الله نافذ..فطب عَيْشًا سيّدي. ”

كتبتها عطر


‘‘ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ *

فَإِن لم تَفعَلُوا فَأذَنُوا بِحَربٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُم فَلَكُم رُؤُوسُ أَموَالِكُم لاَ تَظلِمُونَ وَلاَ تُظلَمُونَ ‘‘

إلى الله المُشتكى -2

tumblr_n50c5nbWXN1s3ggdno2_r2_500


لماذا لا أشتاق؟ لماذا لا أشتاق لشيئ أو لأحد؟ لماذا لا أحنّ لشيئ أو لأحد؟ لماذا لا تعتريني تنهيدة كلّما ذُكرَ الماضي كما تعتري أولئك الذين يتذكّرون سنوات طفولتهم و أماكن شغبهم و ابتسامات صداقاتهم، حنينا و حسرة على فواتها؟ طيّب لماذا لم أعد أتمنّى، رغم صغر سنّي و تورّد وجنتي، بيتا دافئا و عائلة سعيدة؟ أو حتّى أن أبدو كأروع ما تكون عليه امرأة في جلسة نسائيّة طيّبة؟ لماذا لم تعد تشغلني العلاقات الإنسانيّة، فلا همّ لي لأسعد فلانة أو لترضى عنّي علّانة أو ليعجب بي زيد؟ لماذا أصبح جلّ همّي أن أعبر دون أن يعلق الشّوك في أثوابي، بهدوء، بصمت دون إحداث ضجّة، ألّا أتّسخ بالذّنوب من المعاملات مع البشر فقلّ جدلي حتّى انعدم، أصبحت أخشى أمّي و أبي، علّ نقاشا معهما يهوي بي إلى النّار، أصبحت أخشى أختي علّ سوطا من سياطها اللّاذعة يؤذيني فلا أسامحها أبدا، أصبحت أتفادى أخي فلا عقل لي يحتمل غلظة الفتى، أصبحت أنفر من سيرة ارتباط، علّ زواجا يفتنني، علّ أبناء طالحين، علّه شظف عيش مهين..أصبحت أتمنّى العيش في الخفاء، و جلّ رجائي أن أتحرّر من العلاقات الإنسانيّة جميعها، أن أعيش ما كتب الله لي من العمر في أداء عملي بصمت كنملة، لكن كنملة تخشى أن تسحقها قدم فيل..فلتمرّ هذه الحياة بسلام ربّ، فلتدخلني الجنّة بفضلك..فلتحرّم كلّ أنملة في عن النّار، زحزحني عنها، لن أحتملها.

كتبتها عِطر

إلى الله المُشتكى -1

Traité avec VSCOcam avec présélection f2

كلاليب، بعض البشر كلاليب، يتخطّفونك إلى الحضيض و نفسك تشتاق إلى التّرقّي…يرونك تجاهد النّفس لتنقّيها من دنس الدّنى فما يكون منهم إلّا أن يرموك بقطران سوئهم حتّى يخرجوا أبشع ما فيك، حتّى تفقد السّيطرة على شهوة غضب ظفرت بكبتها لزمن. الله وحده عليم بجموح النّفس و قوّة تفلّتها من لجام الصّبر، و كمّ الجهد الذي يبذله صاحبها ليؤدّبها و يعوّدها سماحة الطّبع و رحابة الصّدر و حسن الخلق و رفعة الأدب…لكنّ بعض البشر كلاليب، يرون تصبّرك، و يفقهون ثقل خطواتك من الدّرجة الدّنيا إلى الأرفع، و يتحسّسون قطرات العرق تنساب ملح جََهدٍ و إعياء، لكنّهم يأبون إلّا أن تُدَاس، و أنت المحمّل بثقل ذاتك، بسوء خلقهم و قلّة أدبهم. إن أنت قابلت ذاك بصمت، لن يصمت لهم سوء إلّا بأن ترفع نبرة صوتك و تنفجر بكلمات غضب تنفّس بها عن بركانك الذي أحرقك فتآكلت له دواخلك…ثمّ يطول احتدام و تعلو الأصوات و تؤذى القلوب بالأحقاد. ما نفع الصّمت بل حُمِّل على الضّعف و ما نفعت مواجهة بمثل ما قدّموا و ” هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم ”، فالنّفس التي غزلت نسيج الطّيبة و الحسن لسنوات، نكثته في لحظة غضب جارفة. تبحث فيك عن دفئك لتطمئنك بأنّك أنت معك، و ما نُكث يُنسَجُ بأحسن ممّا كان، لكنّك لا تجدك بل تجد قسوة سكنت المكان و شبحا يقسم الأيمان ألّا يستكين و لا يسمح بأن يُهان، فتنفلت الغصص حسرات على عمل دؤوب لتكون أفضل ما يمكن أن تكون = الإنسان، لتصنع منك : ” و إنّك لعلى خلق عظيم ”..صَرْحٌ بنيته فانسابت رماله من بين شرورهم و ضعف نفسك.


كتبتها عطر

وظلمُ ذوي القربى أشد مضاضة  *** على المرء من وقْعِ الحُسام المهند
(طرفة بن العبد)

دارُ السّلام

يتوسّط القمر السّماء مضيئا بنوره دجى اللّيل البهي، هل اكتملت دائرة القمر بدرا أم ليس بعد؟ نجمتان تلمعان على استحياء…هذه السّماء غير تلك السّماء، كانت سُلَيْمة قد أخبرتني أنّ التّلوّث الضّوئيّ في المدينة حرمنا نعمة رؤية جمال الإبداع الإلاهي ثمّ حاولت المسكينة جاهدة أن ترسم لي الصّيّاد ‘‘ تلك النّجوم اللّامعات.. انظري، ذاك رأسه،  هذا كتفه و ذاك قوسه، تخيّلي المشهد..‘‘ لم أحاول حينها إجهاد مخيّلتي كثيرا ليبدو لي كما بدا لها رُؤْيَ العين..كانت تشغل بالي أمور أخرى مثل: ترى ما طبخت أمّي لهذه اللّيلة؟ لا بدّ أن تشعر سُليمة بالتّرحاب، فككلّ عائلة تونسيّة جديرة بتونسيّتها نعبّر عن فرحنا بالضّيف بألوان الطّعام، و قد يصل بنا الأمر إلى أن نشعل نارا أمام الدّار كطائيّين جديرين بنخوة الكرم..تشغل بالي أمور أخرى غير صائد النّجوم ذاك، ربّما لو حمل بندقيّة و صاد المها لاهتممت لأمره، أخبرتني أنّنا لو كنّا في الصّحراء لتسنّت لي رؤية الصّيّاد و ربّما درب التّبّانة و لبدت السّماء كعروس بهيّة لمعت فيها دمعتا عينيها غبطة و حليّ جيدها و خرزات ثوبها الملكي، لكنّ التّلوّث حرمنيه، حرمني ذاك الحسن

كان يشقّ صمت ليلتي نباح كلب فَزِعَ لسيّارةٍ مارّةٍ انتهكت حرمة حيّه، لوّث هدوء ليلتي  بنباحه، نباح لن ينقطع لربع ساعة فقد أفاقت كلاب الحيّ لتتضامن و حارس المكان، كأنّهم فرسان القلعة المحروسة بشعار ‘‘ الواحد من أجل الكلّ و الكلّ من أجل الواحد ‘‘ .. أكره هذه الحيوانات: فتاريخي معها غير مشرّف، دائما ما اعتبرتني غريبة، و أنا الغريبة إلى أن ييسّر الله لي الإنتماء فالرّوح سكنت أفقا أرحب من هنا. ما أن تلج قدماي حدود الحيّ حتّى يهاجمني كلب جارتنا، يركض تجاهي حتّى لا يترك بيني و بينه سوى بضع صمنتيمترات، مسافة أمان بيننا، لا أدري أحماية له، أم رأفة بحالي؟ و لا أظنّها الثّانية ..فهو ما أن يشتمّ رائحة الخوف تَعْطُرُ من بين ثنايا القماش حتّى يكشّر لي عن أنيابه و ككلب مسعور حُرِمَ الطّعام لزمن تجحظ عيناه و يسيل لعابه كمن يهيّئ نفسه لوليمة دسمة… و آليّة الدّفاع عندي تقتصر على الجمود، تبرد أوصالي و  تتسمّر قدماي أرضا إلى أن يستحيل اجتثاثهما وأتجمّد كصنم إغريقيّ في مدخل أثينا و ينحبس الصّوت رغم رغبة في الصّراخ لطلب النّجدة، حالة أشبه بمن تمكّن منها الجاثوم. تخرج الجارة مسرعة للضّوضاء التي ضجّ بها قنّ دجاجها و حجلها لنباح كلبها فتنقذني من بين براثن هذا المفترس في الوقت بدل الضّائع، مردّدة كلمات لا ألقي لها بالا، علّها تعتذر عن وحشيّة حيوانها، لا أدري

2014-07-12 02.54.12

يعود السّكون ليؤنس وحدتي، أنعم بجمال القمر و قليل نجمات في صفحة السّماء السّوداء..متى يدوم هذا الهدوء؟ متى تصبح السّكينة ديمومة لا نعمة وقتيّة؟ متى يكفّ الضّجيج؟ متى نكفّ عن الصّراخ و الإيذاء؟ متى يهدأ القلب كهدوئه في لحظته هذه هدوءا دائما؟ متى يصبح عطر الياسمين الذي حمله نسيم هذه اللّيلة البارد فانتشت به نفسي و اطمأنّت، غير منقطع بفيح حار و  عرق مضنٍ و عمل مجهد؟ متى نهنأ فلا نشقى أبدا؟

 هل من زمان غيره؟ و هل من مكان يتمّ فيه النّعيم كاملا غيرها؟

متى ثقلت الموازين و كَمُلَ الرّضا من ربّ العالمين و مرّ المسلم على الصّراط كريح طيبة و دخل سيّد المرسلين و خاتم النّبيّين، يتبعه قومه و إخوانه المرضيّون الجنّة، دار السّلام، رَوْحٌ و رَيْحَانٌ و نعيم… ‘‘ لهم دار السّلام عند ربّهم ‘‘ : * و سُمّيّت الجنّة  دار السّلام لسلامتها من كلّ عيب و آفة و كدر و همّ و غمّ و غير ذلك من المنغّصات، و يلزم من ذلك أن يكون نعيمها في غاية الكمال و نهاية التّمام، بحيث لا يقدر على وصفه الواصفون و لا يتمنّى فوقه المتمنّون، من نعيم الرّوح، و القلب، و البدن. و  لهم فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين و هم فيها خالدون 

و كيف الوصال بدار القرار؟

بإخلاص العبادة للواحد القهّار ‘‘ قل إنّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله ربّ العالمين* لا شريك له و بذلك أُمرتُ و أنا أول المسلمين ‘‘ فما من سجدة إلّا لله و ما من نحر إلّا باسم الله، و كلّ خطوة في الدّنيا لا يُراد بها وجه الله باطل تحيد بصاحبها عن جنّات النّعيم…و من أخلص في صلاته و نسكه استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله….ما آتيه في حياتي و ما يُجريه الله عليّ و ما يقدر عليّ في مماتي الجميع .. لله ربّ العالمين* لا شريك له

*** 

فلق الإصباح عن اللّيل و شعشع النّهار بتلك الآيات الجليلات من سورة الأنعام، كانت بلسما للقلب و شفاء لتقلّب النّفس أرقا من الأكدار و همس السّعدي، رحمه الله، بنصحه الماتع و كلماته الرّقراقة، تأنيبا في رفق، مذكّرا لعلّ الذّكرى توقض بعد غفلة و تنفع بعد التهاء فتكون للشّوق ارتواء: * فإذا عرفتم بأنّكم لا بدّ أن تنتقلوا من هذه الدّار كماانتقل غيركم، و ترحلون منها، و تخلّون لمن بعدكم، كما رحل عنها من قبلكم، و خلّوها لكم، فلمَ اتّخذتموها قرارا وتوطّنتم بها، و نسيتم أنّها دار ممرّ لا دار مقر، و أنّ أمامكم دارا هي الدّار التي جمعت كلّ نعيم و سلمت من كلّ آفة؟

كتبتها عطر

ــــــــــــــــــــــــ

تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان للشّيخ عبد الرحمن بن ناصر السّعدي *